طباعة

إحياء ثقة الناس هي ضرورة لا بد منها الخطاب الرئيسي الذي ألقته السيدة جينين هينيس-بلاسخارت، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، في منتدى السليمانية الذي انعقد بتاريخ 6 آذار 2019

أصحاب المعالي،
السيدات والسادة،
ذُكر في الدعوة لهذا المنتدى أن هناك العديد من القضايا السياسية والاقتصادية ينبغي معالجتها في أعقاب الانتخابات العامة الاتحادية وانتخابات برلمان إقليم كردستان اللتين جرتا خلال العام المنصرم. وذلك صحيح تماماً، فبلا شك لا أحد يمكنه أن ينكر أن الطريق إلى الاستقرار المستدام والمُستحق في العراق سيكون طويلاً ولن يكون يسيراً البتة. وهناك العديد جداً من المسائل التي ينبغي معالجتها.

وفي هذا الخصوص، لا بد لي أن أستهل كلامي بالقول إني سأتكلم بصراحة هذا اليوم. وستهدف ملاحظاتي إلى أن تمثل تحدياً وحافزاً على التفكير في آن، كي يتسنى لنا أن نحاول -على نحو صادق وبنّاء- معالجة بعض المشاكل المتجذّرة ضمن عمليات البلاد ومؤسساتها.

ولا يمكن إحياء ثقة الناس بالحكومة وإحياء ثقتهم بمؤسسات الدولة واستعادة الإيمان بالوطن ككل ما لم ينصب التركيز على بواعث القلق الدائم تلك.

ومن الواضح أن عقوداً من الصراع والصعوبات الاقتصادية قد تركت آثاراً عميقة في المجتمع العراقي. وقد قدم العراقيون تضحيات جمة. فضلاً عن ذلك فقد أضافت التركة الطائفية الأخيرة والتوترات العرقية والنزاع السياسي الداخلي مزيداً من انعدام الثقة بين الجماعات الدينية والعرقية وزادت من غياب الثقة بين القادة السياسيين وجماهير ناخبيهم.

وفي نفس الوقت وفي هذه المرحلة من التعافي لما بعد الصراع، يجد العراق نفسه على مفترق طرق حاسم. ويجد نفسه على مسار سيكون من الضروري فيه التحلي بالواقعية والتصميم في مواجهة التحديات الماثلة في المستقبل. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن وجود إرادة سياسية ومجتمعية شرط مسبق لتحقيق ذلك، وسوف يثبث أن شعور كل المكونات والمجتمعات المحلية العراقية على نحو واضح بالامتلاك والمشاركة هو أمر حاسم في هذا الصدد.

وغني عن البيان أن الحاجة الملحة لرؤية الحاجة للتغير والاحساس بها هي أمر أساسي.

ومع ذلك، يبقى تشكيل الحكومتين في بغداد وأربيل غير مكتمل لغاية الآن رغم مرور تسعة أشهر على الانتخابات العامة وخمسة أشهر على انتخابات الإقليم.

ويبدو أن الصراعات السياسية الداخلية وسياسات الفصائل هي القاعدة. ولم تبدأ اللجان البرلمانية بعد عملها الجوهري. فهل نتفاجأ بأن خيبة الأمل لدى الناس لا تزال كبيرة؟ وهل نتفاجأ أن الناس لا يؤمنون بأن العملية السياسية تخدمهم، أو أنها يمكن أن تأتي بتغيير مؤسسي؟

هل يمكننا غض الطرف عن غياب مؤسسات قابلة للاستمرار وتستجيب للاحتياجات، وعن غياب القدرة على متابعة القرارات المهمة، وعن حالة الجمود بين النخب الحاكمة، وعن العسكرة الطائفية، وعن التشتت على أسس عرقية ودينية؟ أقول كلا، فيما يستمر كل ذلك على حساب الشعب العراقي.

السيدات والسادة،

يشعر البلد برمته بالفخر عندما يشاهد المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم وهو يخوض المباريات. وفي نفس الوقت، لا يزال العديد من الناس يقولون انهم لا يعرفون كيف يمكن للهوية الوطنية ان تسير جنباً الى جنبٍ مع انتماءاتهم الأخرى.

لذلك، هناك تساؤل كبير: كيف يمكننا وبشكل جماعي أن نعزز الشعور بالفخر والثقة بالبلاد؟ وفي النهاية، فالعراق بحاجة الى شعور وطني متجدد ليعاود الانطلاق بقوة أكبر.

وبما ان الإنقسامات في البلاد تبقى مشكلة أساسية، فأن جزءً من الحل يجب ان يكون بالإنخراط في مصالحة وطنية ومجتمعية مستدامة وحقيقية لمعالجة الخلافات والتظلمات وقبول الآخر – وحيثما تقتضي الحاجة – الاعتذار للآخرين واحترام كل طرف للتاريخ الخاص للطرف الآخر وبناء التلاحم الاجتماعي ومن ثم الانطلاق صوب حسّ الوحدة الوطنية.

وفي إطار هذا السياق، ينبغي على الزعماء السياسيين وقادة المجتمع والزعماء الدينيين ان يضطلعوا بدور رئيس لتعزيز التسامح ومناهضة الفكر المتطرف، ذلك ان فشل القيادة ونشوء العنف يرتبطان ببعضهما إرتباطاً وثيقاً.

ان الناشطين المحليين، وبضمنهم القياديين الشباب، بحاجة الى دعم أكبر بكثير مما يحضون به في الوقت الراهن. إن انعدام المشاركة الحقيقة لبعض جماعات الأقليات هو أيضا مبعث قلق شديد، وأن إقصاء المرأة من العملية السياسية يعني إهمال نصف إمكانات العراق وإهمال نصف مواهبه وطاقاته. ولا يمكن للبلاد ان تمضي بمثل هذا النهج.

والخبر السار هو ان الأحزاب السياسية الرئيسة، وللمرة الأولى في الانتخابات العامة، عكست التنوع في العراق والحاجة الى خطاب وطني. ونتيجة لذلك، حلت التحالفات السياسية العابرة للطائفية محل الإنقسامات الطائفية في الماضي.

بيد أن نصف الناخبين قرروا عدم ممارسة حقهم الديمقراطي، وبذلك، ارسلوا إشارة قوية عن وجود تشكك شعبي متنامي بقدرة السياسيين على تلبية تطلعات الشعب.

السيدات والسادة،

تدفقت في السنوات الأخيرة مئات الملايين من الدولارات لتمويل المساعدات والتنمية الى العراق إلا ان ظروف المعيشة في الكثير من أنحاء البلاد لاتزال سيئة بشكل صادم.

إن العراق بلد يتمتع بعوائد كبيرة جداً يدرها قطاعه النفطي، غير ان العديد من مواطنيه يعانون الفقر والأمية والأمراض والبطالة. كيف يُعقل هذا؟

جزءٌ من الجواب يكمن في الفساد، فالفساد مستشري في جميع المجالات في العراق. فلا يمكن السماح لشخص ما ان يغتني دون وجه حق على حساب الآخرين. بيد أن هذا يحدث وبعدة طرق.

ووفقاً لتقرير أصدرته منظمة الشفافية العالمية ان 12 بلداً فقط هي أكثر فساداً من العراق من أصل 200 بلداً. وإذا ما أرادت البلاد الحفاظ على الاستثمار والدعم الدوليين وتوسيعهما فلابد لهذه المشكلة ان تحل بشكل عاجل. ولا ينفك ممثلو البلدان المانحة عن اخباري أنهم أصيبوا بالكلل من محاربة المنظومة المتبعة في العراق وهم يحاولون مساعدة البلد.

ان محاربة الفساد لن يكون أمراً يسيراً. ولكن اذا كان هناك أي أمل في إحياء ثقة الشعب، فينبغي أن تسمو مصالح الشعب العراقي والأمة بشكل عام على مساعي الإثراء الشخصي.

السيدات والسادة،

يطالب المواطنون بتحقيق تحسن ملموس في حياتهم اليومية، فهم يطالبون بتوفير مياه يمكنهم شربها دون ان تتسبب لهم بالأمراض، ويطالبون بالحصول على مياه لسقي المزروعات، ويطالبون بالحصول على إمدادات طاقة كهربائية موثوقة تغنيهم عن إستخدام مولدات الكهرباء الباهضة الكلفة والتي تتسبب بتلوث البيئة، ويطالبون بإيجاد نظام فعال للتخلص من القمامة للحفاظ على نظافة شوارعهم من الأوساخ. وهم يطابون ايضاً بتحقيق إقتصاد متطور يوفر فرص عمل للشباب، كما ويطالبون بالتوزيع العادل للإيرادات في جميع انحاء البلاد، ويطالبون بالحصول على خدمات تعليمية مناسبة ويطالبون بالمساءلة ويطالبون بالعدالة.

إن المواطنين الملتزمين بالقانون يبحثون عن تطمينات، فالمرأة بحاجة لأن تشعر بالأمان في الشارع وأن تبدي رأيها وأن تلبس بالطريقة التي تريدها. والكاتب يحتاج إلى أن يطمئن أن حياته ليست مهددة بسبب الإعلان عن آرائه، والآباء يريدون أن يطمأنوا بأن أولادهم يذهبون الى المدراس ويعودون بأمان. هذه هي الأشياء الأساسية في الحياة.

وسواء أحببنا ذلك أم لا، فمن السهل أن تتعاظم سورة الغضب، وسيؤدي الاخفاق في التصرف، حتماً، إلى دورة جديدة من العنف.

السيدات والسادة:

هناك مبعث قلق رئيسي آخر فيما يخص أمن العراق واستقراره، يتعلق بالجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة، والتي تحول البعض منها إلى مرتبة أعلى قليلاً من العصابات الإجرامية، موسّعةً نفوذها الاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء البلاد.

على سبيل المثال، وفي الوقت الذي نتحدث فيه، يواجه المواطنون العراقيون في نقاط تفتيش غير قانونية مسلحين يبتزون أموالهم. ويُطالَب النازحون العائدون إلى ديارهم، وبلا إنذار، أن يدفعوا ما يسمى برسوم الولاء، ويضطر المزارعون في الحقول إلى دفع رشاوى لئلا يفقدوا مواشيهم.

إن هذه الممارسات تضيف المزيد إلى العديد من المصاعب التي يعاني منها أصلاً العائدون والسكان الآخرون ممن يتسم وضعهم بالهشاشة بشكل يومي. إنها مشكلة خطيرة للغاية لا يمكن لأحد أن يتجاهلها.

إن اتخاذ إجراء حازم ضد كل هذه الأمور له أهمية بالغة من أجل عراق مستقر، ومن أجل تعزيز الروح المعنوية لشعبه.

السيدات والسادة

بالإضافة إلى الاستقرار الداخلي، يحتاج العراق إلى تعزيز الأمن الإقليمي من خلال توسيع العلاقات مع جيرانه وغيرهم. إن التواصل المستمر مع الدول الأخرى التي تضع نفسها في مكانها الصحيح كشريك موثوق وقدير هو الطريق إلى الأمام حقاً، ويمثل إنجازا دوبلوماسيا كبيرا. ويمكن للعراق أن يكون عامل استقرار في منطقة مضطربة، نعم، يمكن للعراق أن يكون جسراً للمصالحة وساحةً له.

في الوقت نفسه، يواجه العراق تحديات خطيرة في منع استخدام أراضيه ساحةً للمنافسات المختلفة. ولا بد من السماح للعراق بمراعاة مصالحه الوطنية دون تدخل خارجي، فاضافة عبء إضافي على العراق هو آخر ما يحتاجه في هذا الوقت.

السيدات والسادة

في الختام ، أود أن أشير إلى إني أعتقد أن مفتاح التعافي والتقدم في البلاد يتم من خلال بناء الثقة مع الشعب والتماسك الاجتماعي وضمان تقديم الخدمات العامة وإطلاق الاقتصاد والتصدي للفساد وبناء مؤسسات الدولة المواتية للغرض من تأسيسها، دون إبطاء.

ولتحقيق ذلك، هناك حاجة ماسة إلى حوار متواصل وبنّاء بين الأطراف السياسية والمكونات والمجتمعات المحلية، مع وضع المصالح الوطنية فوق المصالح الحزبية. وكما ذكرت: سوف يثبث أن شعور كل المكونات والمجتمعات المحلية العراقية على نحو واضح بالامتلاك والمشاركة هو أمر حيوي. إن توفر الإرادة السياسية والمجتمعية - على جميع المستويات - هي شرط مسبق، وبخلاف ذلك، سيواجه البلد مخاطر الانتقال من أزمة إلى أخرى.

سيكون الدعم المتواصل من المجتمع الدولي محوريًا أيضاً. لذلك سأواصل تشجيع المجتمع الدولي على العمل إلى جانب الأمم المتحدة لتقديم الدعم للجهود الإنسانية وجهود تحقيق الاستقرار والتنمية.

ولا تزال أسرة الأمم المتحدة ملتزمة بقوة بمساعدة الحكومة العراقية في كافة هذه العمليات، وفقاً لولايتنا ومصالح الشعب العراقي.

يعيش العراقيون من جميع المكونات والانتماءات هنا منذ زمن بعيد. وآمل مخلصة أن يتم التوصل إلى نقطة تحول حيث يلتزم أبناء الشعب العراقي، بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية بالاستثمار في مصير مشترك في عراق يكون فيه التعايش السلمي هو القاعدة، على أساس احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

أنا متفائلة بطبيعتي، وأنا على استعداد لتقديم الخدمة المطلوبة، فالعراق لديه فرص هائلة وإمكانيات كبيرة. إن هذا البلد الجميل، بكل تنوعه، قريب حقاً من قلبي.

شكرا لكم.

معلومات إضافية

  • Agency: UNAMI