بيان السيدة أليس وولبول، نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة - تجربة العراق الديمقراطية: تطلعاتٌ وتحديات

مركز الرافدين، النجف الأشرف

4 كانون الأول/ ديسمبر 2018

السادة أصحاب المعالي،

السيدات والسادة،

الضيوف الكرام،

أشكركم على توجيه هذه الدعوة لي، للوقوف أمامكم بمركز الرافدين، اليوم، للحديث عن التجربة الديمقراطية في العراق.

لقد كان عام 2018 عاماً مفعما بالأحداث التي تدعو للتفاؤل ومليئاً بالكثير من التحديات بالنسبة للعراق وشعبه. فعلى الجانب الإيجابي، شهدنا عمليتين انتخابيتين ناجحتين إلى حدٍّ كبير، مما عزز المكتسبات الديمقراطية للعراق. ففي شهر مايو أيار أجرى العراق انتخاباته البرلمانية ضمن الإطار الزمني الذي حدّده الدستور. ونظم المرشحون والأحزاب السياسية حملات انتخابية مشرّفة، جرت وفقا لميثاق الشرف الانتخابي الذي صاغته بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، حيث خلت من الخطاب الطائفي والتصريحات التحريضية المهيجة. إلا أن بعض الانتهاكات المخيبة للآمال قد طالت البعض، لا سيما المرشحات من النساء. وقد جرت الانتخابات في موعدها المحدد، وتمكن معظم الناس (بمن فيهم النازحون) من الإدلاء بأصواتهم واختيار ممثليهم بحرية وأمان. وشهدت المناطق المحررة عملية تصويت علنية للمرة الأولى منذ دحر تنظيم داعش. وأود هنا أن أشيد بجهود موظفي الانتخابات وممثلي الأحزاب السياسية وقوات الأمن لجعلهم الانتخابات تتم بطريقة سلمية وآمنة ومنظمة بدرجة كبيرة.

ولكننا لا ينبغي أن نشعر بالرضا التام إزاء الانتخابات العامة؛ فقد اتسمت بمشاركة ضعيفة من قبل الناخبين بلغت 44% فقط. إن القرار الذي اتخذه أكثر من نصف السكان المؤهلين للإدلاء بأصواتهم بعدم ممارسة حقهم الديمقراطي يبعث إلى السياسيين إشارة قوية مفادها عدم الرضا إزاء فشلهم في تحقيق تطلعات الشعب أو العمل على تلبية احتياجاتهم، كما يبعث برسالة قوية تفيد بضرورة وضع مصالح الشعب العراقي والوطن فوق المصالح الحزبية أو الطائفية أو الشخصية أو مصالح الجماعة. وإنني أشجع النخبة السياسية، وعلى وجه الخصوص الوزراء وأعضاء مجلس النواب الجدد، على التوصل إلى الاستنتاجات اللازمة بشأن ضرورة تمثيل الناس بشكل أفضل، وتحقيق العدالة للجميع، وممارسة المساءلة الديمقراطية، وإقامة الحكم الرشيد الخالي من الفساد، والمحاصصات الطائفية، والمحسوبية، والمحاباة.

ولعلكم ستذكرون أن مرحلة ما بعد الانتخابات قد تميزت بشكاوى واسعة الانتشار. وقادت المزاعم بوجود تزوير الانتخابي وسوء إدارة الانتخابات إلى اتخاذ قرار، مدعوم من قبل الأمم المتحدة، قضى بإجراء عملية جزئية لإعادة عدّ وفرز النتائج يدوياً. وأود هنا أن أشير إلى الطريقة التي اتسمت بالشفافية والمصداقية والتنظيم الجيد التي جرت بها إعادة العد (والتي شهدتها بنفسي في العديد من أماكن إعادة العد والفرز). وأحيي مهنية جميع الموظفين الذين قاموا بعملية العد والفرز، سواء كانوا تابعين للمفوضية المستقلة العليا للانتخابات أو للجهات القضائية، والذين قاموا بذلك العمل تحت الإشراف المتمكن والنزية لمجلس القضاة. وفي اعتقادي أن إعادة العد والفرز قد زادت من ثقة الناس في نتائج الانتخابات. وآمل أن تزيد أيضاً من ثقتهم بقدر أكبر في العملية الانتخابية عموماً.

السيدات والسادة،

طوال فترة ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة، خرج الناس إلى الشوارع للتعبير عن عدم رضاهم عن إدارة شؤون الدولة. ويجب أن تؤخذ مطالبهم على محمل الجد إذا أردنا للعملية الديمقراطية أن تنجح في العراق. فالمظاهرات التي بدأت في البصرة في شهر تموز وامتدت إلى المحافظات الجنوبية الأخرى بما فيها ميسان والمثنى والقادسية وذي قار والنجف وكربلاء وبابل وواسط ومن ثم إلى بغداد، كانت دعوة واضحة للحكومة للقيام بحقوق الشعب واحتياجاته الأساسية. وقد شكلت جسامة الاحتجاجات العنيفة الأخرى التي اندلعت في البصرة في شهر ايلول المنصرم إشارة إلى الحكومة لإيجاد حلول ملموسة للمشاكل المحلية المتمثلة في عدم تقديم الخدمات الأساسية، ونقص إمدادات الكهرباء، ونقص الوظائف وتقشي الفساد. واتهم المتظاهرون الزعماء الوطنيين والحكومات المتعاقبة بتجاهلهم إياهم، وأعربوا عن إحباطهم العميق والمتنامي إزاء النظام السياسي، بما في ذلك نظام المحاصصة الطائفية (الكوتا) الذي يرونه نظاماً فاسداً وغير مجدٍ، إلى جانب ما يتصورونه عن وجود تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد.

وفي حين أعرب العديد من الزعماء السياسيين عن دعمهم لمطالب المحتجين، لم يوجد تقدم يذكر بغية إحداث التغيير. وقد بذل السيد العبادي رئيس الوزراء الأسبق ومجلس الوزراء جهوداً جديرة بالثناء لتنفيذ بعض تدابير الإغاثة السريعة، ولكنها لا تزال غير كافية لمعالجة جذرية لاحتياجات الناس وشواغلهم. وتحتاج الحكومة الجديدة الآن إلى إعطاء الأولوية للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة والمساواة والمساءلة والمصالحة ومحاربة الفساد. وسيؤدي خلق فرص العمل إلى ترسيخ قواعد التنمية الاقتصادية والاستقرار والازدهار، في حين يجب أن يحافظ العراق على سيادته واستقلاله، بعيداً عن التدخل الخارجي. إن التحديات التي يواجهها العراق عميقة الجذور ولا يمكن معالجتها إلا عن طريق حكم قوي وموحد. ويتعين على السيد رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي ووزراء حكومته خوض معركة ضد الفساد، في حين يتعين على مجلس النواب الجديد إصلاح القوانين التي لا ترسّخ قيم العدالة والمساواة.

السيدات والسادة،

أود أن أثني على اكتمال عملية الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان بنجاح. ومرة أخرى، تم التحقيق بشكل كامل في مزاعم التزوير في الانتخابات. وفي 30 تشرين الأول، أقرت الهيئة القضائية الانتخابية في محكمة التمييز في إقليم كوردستان على نتائج الانتخابات. وقد أكد لنا كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني عزمهما على التشاور بشكل وثيق مع جميع الأحزاب السياسية المحلية حول تشكيل الحكومة. وقد أعلن الاتحاد الإسلامي الكردستاني وحركة الجيل الجديد أنهما سيشكلان معارضة في برلمان كردستان. كل هذا التقدم هو موضع ترحيبنا. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن اتفاقات رسمية بشأن تشكيل الحكومة. وفي هذا الصدد، نحث الأحزاب الكردية على إكمال المفاوضات وتشكيل البرلمان لكي نضمن أن احتياجات الشعب يمكن أن تتم معالجتها بشكل استباقي.

السيدات والسادة

إن الأمم المتحدة قد شعرت بالارتياح وهي ترى السيد عبد المهدي، بصفته رئيس الوزراء المكلّف، يحصل على موافقة العديد من الكتل البرلمانية البارزة لاختيار وزرائه بحرية، على أساس قدراتهم وخبراتهم وليس بناء على أنظمة المحاصصة الطائفية أو السياسية. وقد أشدنا بالانتقال الديمقراطي للسلطة بين رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي ورئيس الوزراء المقبل عبد المهدي ضمن الجدول الزمني الدستوري. وفي أثناء حفل التسليم في 25 تشرين الأول، ذكّر السيد العبادي بإنجازات حكومته. وبالفعل فإن السيد العبادي وحكومته وحكومة إقليم كردستان والقوات المسلحة وشعب العراق يستحقون الاعتراف والامتنان على التقدم المحرز حتى الآن. وفي الوقت الذي لم تمض فيه عملية تشكيل الحكومة دون صعوبات، أظهرت الكتل السياسية رغبتها في العمل على دعم رئيس الوزراء. وقد كانت المنافسة والاختلافات ذات طابع سياسي إلى حد كبير وليست طائفية، وهذا مؤشر على التخلص من تركة الماضي، ويتعين على العراق الآن أن يبني على هذه الأسس.

ما زلت أشعر بالقلق إزاء توقف عملية تشكيل الحكومة بسبب استمرار الخلافات حول بعض المناصب الوزارية، ما أسهم في استمرار الانقسام بين الأحزاب والكتل السياسية. وتحث الأمم المتحدة رئيس الوزراء عبد المهدي والأحزاب السياسية على التوصل إلى اتفاق وإكمال تشكيلة الكابينة الوزارية. وتتقاسم جميع القوى السياسية الآن مسؤولية خلق بيئة تمكِّن رئيس الوزراء والوزراء الجدد من تنفيذ برنامجهم وضمان الاستقرار السياسي. وبرنامج الحكومة الجديد الذي دعيت الأمم المتحدة لتقديم المشورة بشأنه، برنامج طموح ويتطلع إلى الأمام. وهو يحدد خططا محددة للإصلاح، والاستثمار، والنهوض بالقطاع الخاص، ومعالجة الفساد، ونقل العراق من سياق الأزمة إلى رحاب التنمية المستدامة. كما يعطي البرنامج الأولوية لخلق فرص العمل، وزيادة نطاق المشاركة على مستوى المحافظات، وإعادة التأهيل، وإعادة إعمار المناطق المحررة، وعودة النازحين. كما يركز على تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وبسط النظام، وسيادة القانون. وسيتم إيلاء اهتمام خاص لحلّ التحديات العالقة مع إقليم كردستان، بما في ذلك المسائل المتعلقة بتخصيص الميزانية، والموارد المالية، والنفط، والمناطق المتنازع عليها. ولكي يتحقق هذا البرنامج، سيحتاج العراق إلى الدعم المستمر من المجتمع الدولي، وليس ذلك فحسب بل سيحتاج أيضا إلى دعم سياسي مستدام من القادة السياسيين والأحزاب داخل البرلمان. وبالنسبة للعلاقات الدولية، أشيد بقادة العراق الجدد الذين شرعوا في العمل دون تأخير من أجل الانخراط مع الحكومات الإقليمية - وتعزيز العلاقات الثنائية، ومعالجة التحديات الإقليمية مثل الإرهاب، وقضايا المياه ومناقشة أوجه التعاون الاقتصادي والاستثمار من أجل إعادة إعمار العراق.

السيدات والسادة،

من بين المهام ذات الأولوية أمام البرلمان الجديد الإعداد للانتخابات المقبلة لمجالس المحافظات. ومع اتساع نطاق الدور الذي تقوم به مجالس المحافظات في المحافظة، فإن اختيار المرشحين من قبل الناخبين بشكل حر ونزيه يعد أمراً بالغ الأهمية لتنمية البلاد. وأرحب هنا بإعلان مفوضية الانتخابات استئناف عملية التسجيل للبيانات البيومترية للناخبين. وأشعر بالسرور إزاء مشاركة محافظة كركوك في هذه الانتخابات لأول مرة منذ عام 2005، الأمر الذي يعد خطوة هامة على الطريق تجاه تطبيع وضعية كركوك والأوضاع السياسية في المحافظة. ولا تزال المباحثات بشأن إعادة تفعيل مجلس محافظة كركوك مستمرة، فيما تدعم الأمم المتحدة المباحثات بين الأطراف السياسية الفاعلة المحليين من الطوائف الكردية والعرب والتركمان.

السيدات والسادة،

إنني مسرورة لحصول العديد من المرشحات على عدد كبير من الأصوات ضمن قوائمهن السياسية، ولأن 19 امرأة مرشحة تم انتخابهن لعضوية البرلمان على هذا الأساس. ونأمل أن حصة الــــ 25% التي تضمن حاليا 83 مقعداً للنساء، سوف تمثل في المستقبل الحد الأدنى، وليس رقماً ثابتاً. وأحث القادة السياسيين على ضمان المشاركة الكاملة للمرأة داخل الحكومة، وتمثيلهن في أعلى المستويات في المؤسسات السياسية ومواقع صنع القرار داخل البرلمان وفي الحكومة. وأشعر بالأسف الشديد من عدم تعيين أي من المرشحات أو مرشحي الأقليات لشغل مناصب وزارية حتى الآن. وفي الوقت الذي أرحب فيه بتأكيدات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أنه سيشمل النساء بالتعيين في المناصب الحومية في المستقبل، أشعر بأن فرصة ما قد ضُيعت. يجب أن تحصل النساء على فرصة كاملة للعب دور رئيسي في تشكيل مستقبل ما بعد داعش في بلادهن. يجب أن يكون تحقيق المساواة للمرأة وتمكينها في صميم كافة الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والعدالة والإصلاح التشريعي والمصالحة.

السيدات والسادة

لا يمكن تحقيق الديمقراطية وتحسين مستوى المعيشة في بيئة تتسم بانعدام الأمن المستمر. وعلى الرغم من أن خلافة داعش المزعومة قد هزمت، لا يزال التنظيم الإرهابي يشكل تهديداً. وواصلت قوات الأمن العراقية والحشد الشعبي ممارستها ضغطاً متواصلاً على وجود داعش وأنشطته المتبقية في أنحاء شمال ووسط وغرب العراق، طوال العام، من خلال عمليات تطهير متتالية. بيد أن التحديات تبقى ماثلة أمام تحسين البيئة الأمنية بشكل عام. ويتعين على الحكومة الجديدة إصلاح القطاع الأمني وتأهيله ووضعه تحت سيطرة الدولة الصارمة.

السيدات والسادة،

إن الأمم المتحدة تعمل بجد لدعم العراق وشعبه. ومع اقتراب عملية تشكيل الحكومة من الاكتمال في الوقت الحاضر، يحدونا الأمل أن يواصل البلد مسيرته نحو الديمقراطية. وسنواصل تقديم المشورة والمشاركة. وسنواصل العمل بالشراكة مع العراق حكومةً وشعباً لتحقيق التقدم، نحو مستقبل مزدهر يقوم على الديمقراطية وسيادة القانون- في ربوع عراقٍ تُحترم فيه حقوق كل مواطن وتلبى فيه احتياجاته.

 

شكراً لكم

معلومات إضافية

  • Agency: UNAMI
جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2019.